*حين تغيب الدولة ويحضر الاحتلال*
*علي رضا ناصرالدين*
تقول إسرائيل، بكل وقاحة، إنها مستعدة لوقف الحرب شرط أن يتوقف حزب الله عن الضرب. وهي في الوقت ذاته تواصل تقدمها في جنوب لبنان، وتُعلن على لسان وزير خارجيتها أنها *لن تنسحب رغم كل الضغوط* . معادلة مكشوفة لمن أراد أن يرى، *احتفظ بالأرض، واشترط الصمت ثمناً للسلام. ليست هذه مفاوضات، إنها إملاءات تُلبَس ثوب الدبلوماسية*.
والأشد مرارةً من الموقف الإسرائيلي أن يصدر بيانٌ مشترك تحت عنوان *الموقف اللبناني* ، يُقرّ بمنطق العدو ويُرتّب بنوده. فالبيان المشترك الذي صدر بوساطة أمريكية يشترط *وقفاً كاملاً لإطلاق النار من قِبَل حزب الله* ويُؤكد أن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق إلا بـ *نزع سلاح حزب الله* ، بينما تبقى القوات الإسرائيلية جاثمةً على الأرض اللبنانية بلا أفق للانسحاب. فأيُّ دولة هذه التي توقّع على بيان يُثبّت احتلال أراضيها؟
وهنا يكشف الغياب عن وجهه الحقيقي.
أين رئيس الجمهورية؟ أين رئيس الحكومة؟ أين وزير الخارجية؟ لا صوت لبناني رسمياً يرتفع ليقول، نرفض، نُدين، نُطالب بالانسحاب. الصمت الرسمي في مواجهة الاحتلال جريمة سياسية موصوفة. وما يُقدَّم باسم الدولة اللبنانية في هذه المفاوضات ليس تعبيراً عن إرادة وطنية، بل هو تسليم مُنمَّق بلغة الدبلوماسية.
ثم يأتي أركان هذه الدولة في كل مناسبة ليرددوا أمام الكاميرات: *الدولة هي التي تفاوض، والسلاح يجب أن يكون حكراً على الدولة، قرار الحرب والسلم بيد الدولة* . كلام يُحكم تقطيعه، ويُتقن تلاوته، حتى باتت هذه العبارات أشبه بتسجيل صوتي يُشغَّل عند كل استحقاق. لكن السؤال الذي يظل دون جواب: أيُّ دولة تلك التي تتحدثون عنها؟!..
دولة لا جيش لديها يردع، ولا قرار سيادي يحمي، ولا إرادة دبلوماسية تُعبّر عن مصلحة وطنية. دولة تجلس إلى طاولة مفاوضات مع من يحتل أرضها، وتُوقّع على بنود يكتبها الطرف الآخر. دولة تطالب المقاومة بالصمت وتطلب منها أن تثق بمن ثبت أنه لا يُفاوض إلا من موقع القوة والإملاء.
الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتهرب منها الرسميون. هذا الكلام عن *حصرية السلاح* و*الدولة وحدها تفاوض* و *قرار الحرب والسلم بيد الدولة* ليس خطاباً سيادياً. إنه خطاب أمريكي إسرائيلي بامتياز، أُريد له أن يُقال بلسان لبناني لتمرير مشروع واحد، تجريد لبنان من أوراق قوته، وتسليمه مكشوف الظهر لمن يريد إخضاعه.
المشهد اليوم فاضح لمن يريد أن يرى.. إسرائيل تحتل وتشترط، وأمريكا تُيسّر وتُملي، والدولة اللبنانية الرسمية تُوقّع وتصمت. أما حزب الله، الذي يُصفه أمينه العام بأنه لن يقبل إلا بـ *وقف العدوان الشامل وانسحاب إسرائيل* ، فيُوصَف بأنه العقبة أمام السلام.
أيُّ سلام هذا الذي يبدأ باشتراط صمت المقاومة ويُغفل انسحاب المحتل؟!..
هذا ليس سلاماً. هذا استسلام تُغلّفه الوساطة الدولية بورق الدبلوماسية. ولبنان الذي صمد أربعين عاماً لا يستحق دوبة تُفاوَض عليها بدلاً من أن تُفاوض...


